• ×
الجمعة 27 نوفمبر 2020 | 11-26-2020
د. عبدالرحمن الطريري

قوة العقل لا قوة الاستبداد

.



في مثل هذه الأيام من العام الماضي خلال شهر رمضان المبارك كتبت مقالا في هذه الزاوية، حمل عنوان "حكمة امرأة"، تناولت فيه قصة بلقيس ملكة اليمن مع النبي سليمان -عليه السلام- حين جاءها كتابه، وكيف أنها غلبت الحكمة والعقل في مقابل غلب قومها القوة ورأوا المواجهة، اعتمادا على القوة التي لديهم، وكانوا ينتظرون أوامرها. هذا التفكير سواء كان تفكير استخدام القوة، والجبروت، أو اللين، والحكمة، ومعالجة الأمور بموضوعية، ليس مقتصرا على عصر من العصور، ولا على عرق، ولا على جنس، بل الحكمة هبة لا يمتلكها كل أحد "يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا".

امرأة فرعون، وهي تعيش في أبهة، وثراء، وزوجة ملك، بحكمتها وبتوفيق من الله وجهتها إلى نداء ربها ليخرجها مما هي فيه "وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين"، حيث ارتأت أن بيئة الظلم التي تحيط بها لا تطاق، ولا يمكن الاستمرار فيها، لكن ما وضع فرعون الذكر، والملك، وكيف يتصرف؟! هل يتصرف بإملاء من حكمة، وعقل، ورزانة، أم أن هيمنة القوة، والتسلط، والجبروت هي التي توجهه؟

السياق، كما ورد في القرآن الكريم يؤكد أن الشعور بالعظمة والجبروت والطغيان هو السائد، والمسيطر على عقل فرعون، إذ كان موقفه من موسى -عليه السلام- موقف غطرسة وتهديد باستخدام القوة "سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون"، هكذا يرى فرعون معالجة الموقف، استئصال وقهر كل من يخالفه. ولسيطرة التفكير اللاعقلاني يطلب فرعون من هارون أن يبني له صرحا يطلع منه على الله، مع تأكيده في الوقت ذاته على يقينه بكذب موسى -عليه السلام-. حالة الظلم والجبروت التي أرادت امرأة فرعون الخروج منها لم تقتصر على من يعاديه فقط، بل امتدت إلى السحرة حينما آمنوا، عندما تبين لهم الحق، حيث خاطبهم بقوله "آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى".

القوة المادية والغرور بامتلاكها أمر واضح في تأثيره على فرعون وتوجيه القرارات التي يتخذها القائد إزاء الآخرين، ومن يخالفه الرأي، وفي علاقاته بالآخرين، وهذا ما انعكس على النتائج التي حدثت له، حيث غرق، وفقد ملكه. وتقابل القوة المادية التي يعتمد عليها البعض اعتمادا كليا، ظنا منهم أنها تحميهم وتنقذهم، القوة الناعمة، وهي قوة العقل، والفكر والرأي السديد المتوج بالحكمة، التي تقود صاحبها إلى استقراء الظروف، والأوضاع من الجوانب كافة، ثم اتخاذ القرار المناسب، بما يتناسب مع الظروف، وبما يحقق نتائج أفضل للقائد ومجتمعه.

التاريخ قديمه وحديثه يحدثنا عن نماذج من القادة الذين يهيمن عليهم الشعور بالقوة، ما يجعلهم يغفلون الواقع، ولعل ما شهدته بعض الدول العربية من استبداد وقمع للحريات وقتل، يؤكد ركون هؤلاء إلى القوة المادية، بصورتها العسكرية البشعة التي تصل إلى حد قتل الناس في الشوارع، وعلى الهوية، ودون أي ذنب اقترفوه، مغفلين القوة الناعمة التي قد تكون أجدى وأنفع في مواجهة الواقع. سورية، العراق، اليمن، ليبيا، طغت القوة المادية على حساب القوة الفكرية، لدى قادتها، والجميع يدرك ما آلت إليه الأمور من تدمير، وتفكك اجتماعي في هذه البلدان، بفعل سيادة القوة المادية، وغياب قوة العقل.

كما أن الحكماء وذوي الرؤية الصائبة تظهر بصماتهم في مجتمعاتهم في حقب تاريخية عدة، وفي مجتمعات عدة رجحت توظيف العقل في معالجة ظروفها، وبناء حضاراتها، ولذا ازدهرت تلك المجتمعات ونمت بفعل سيادة الفكر والعقل. هذا لا يعني أن الدول تتخلى عن القوة المادية، بل لا بد منها، والعناية بها، لكن يلزم استخدامها وفق رأي حكيم ورؤية صائبة ومعرفة بالظروف، حتى لا ينطلق عقال القوة وتتحول إلى عامل تدمير.






قوة العقل لا قوة الاستبداد
د. عبدالرحمن الطريري

الاقتصادية
الخميس 22 رمضان 1436 هـ. الموافق 09 يوليو 2015 العدد 7941
 0  0  9.6K

جديد المقالات

أعتدنا كمواطنين سعوديين على سماع الكثير من التهم و التلميحات التي تصفنا بأننا تكفيرين أو حتى...

خرجت الجماهير الغاضبة العام المنصرم ۔ تندد بارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وفشل السياسات...

محمد سعد عبد اللطیف

ليس التفريق بين ما هو إعلام نزيه، و ما هو بروباغندا دعائية رخيصة بالأمر الهيّن، بل إن التفرقة...

لارا أحمد

اخترنا لك

حقائق قد لا تعلمها عن الأسطورة مارادونا

حقائق قد لا تعلمها عن الأسطورة مارادونا

أصيب المشجعون في جميع أنحاء العالم بالحزن الشديد بسبب وفاة أحد أعظم اللاعبين في تاريخ كرة القدم ، كان دييغو أرماندو مارادونا شيئًا مميزًا ، وسيظل دائمًا مصدر إلهام لأشخاص كثيرين ولاأضياء لا تحصى من جم..

11-27-2020 | 0 | 880
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 13:32 الجمعة 27 نوفمبر 2020.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

صحيفة تصدر عن مؤسسة دال للنشر الإلكتروني ... جميع التعليقات و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي الصحيفة بل تعبر عن رأي كاتبها . ( صحيفة مرخصة )