• ×
الجمعة 6 ديسمبر 2019 | 12-05-2019
محمود فوزي

ليلة بكت فيها الروح الرياضية

منذ نعومة أظافرنا ونحن نتعلم بالمدارس المصرية قيم الولاء والانتماء للوطن والتضحية بكل غال ونفيس من أجل رفعته حتي وإن كان الثمن هو روحنا ، وذلك انطلاقًا من مسلمة أساسية غرسها المعلمون في قلوبنا قبل عقولنا مؤداها " لاقيمة لحياة المواطن إن لم يحيا الوطن أجمع" .

لقد نجح المعلمون نجاحًا منقطع النظير في غرس هذا المعنى النبيل في نفوس أجيالنا التعليمية ،مستشهدين بآيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة مؤكدًة لهذا المعني ، منها قول رسولنا الكريم " من مات مدافعًا عن وطنه فهو شهيد" ، وقول الله تعالي " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ" تأكيدًا أيضاً علي معاني الاتحاد والتضامن ودرء التشتت والتشرذم كدافع رئيسي لإنهاك أي أمة وإذلال أهلها ،وجعلهم فريسة مستباحة لأي معتد ، كما ذهب البعض إلى ترديد أقوال مأثورة مثل " لا صوت يعلو فوق صوت الوطن" .

لقد ظل النظام التعليمي المصري متسقًا مع نظيره الإعلامي في ترسيخ هذه المعاني في نفوس وأذهان المصريين سواء عبر المناهج الدراسية أو الأغاني والأعمال الدرامية التي يطلق عليها لفظ " وطنية" ، إلا أن ظهر علينا ضيوف ومذيعون في برامج الإعلام الرياضي كي يحرضوا المشاهدين على اعتناق قيم وأفكار شاذة ودخيلة علي أعرافنا الاجتماعية ،ومنها فكرة الاكتفاء بتشجيع الجمهور لفريقهم الكروي فقط في أي بطولة محلية أو إفريقية يشارك فيها ، وتشجيع الفريق الأجنبي – أيا كانت دولته- في المباريات التي يلعب فيها ضد الفريق الوطني المنافس .

لقد ذهب أنصار هذا الاتجاه لمبررين غير منطقيين لتبرير موقفهم ، يكمن الأول في التساؤل عن جدوي حصول الفريق المنافس علي بطولات قارية تفوق ما يحصل عليه الفريق الذي انتمي عليه !! ،بينما يكمن الثاني في انتشار هذه الظاهرة في شتي البلدان الأوروبية التي تمتلك فرق ومنتخبات رياضية تفوق مستوي الرياضة المصرية بمراحل ؟ ، ومن ثم لا مانع من حدوثها في مصر ، فما العجب إذن من أن تري يوم السبت الماضي جمهور مصري " زملكاوي" يشجع فريق زيسكو "الزامبي" للفوز علي الأهلي ، وأن تري يوم الأحد الماضي جمهور مصري " أهلاوي"

يشجع فريق أنيمبا "النيجيري" للفوز علي الزمالك ، وذلك في إطار فعاليات دوري أبطال أفريقيا للأندية أبطال الدوري .

ولأنصار هذا الاتجاه – وما أكثرهم الآن!!- أقول لك أنك تولد مصريًا متمتعًا بالجنسية المصرية وما تمليها عليك هذه الجنسية من حقوق وواجبات قبل أن تكون أهلاويًا أو زملكاويًا أو غيره فما هي إلا أسماء مستحدثة سميتموها بعد مئات السنين من تأسيس الدول ، وما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان لأحد أو من أحد ، وإلا فلتتنازل عن حقوقك المصرية نظير ما سيمنحه لك فريقك من حقوق لا ينالها أحد إلا أعضاؤه من لاعبي وموظفي النادي ! ، كما أن هؤلاء اللاعبين أنفسهم يسافرون للدول الأجنبية لأداء مباراياتهم الدولية بدعوي أنهم مصريون ويمثلون فرقهم أو منتخبهم المصري ،فالإنسان في أي دولة بالخارج لا يسأل عن فريقه المفضل بل عن جنسيته .

أما عن تفشي هذه الظاهرة بالدول الأجنبية ، فدعني أؤكد لك أن زواج المثليين ،وشرب الخمر ، وغيرها من الفواحش منتشرة بكثرة في تلك المجتمعات ، بل وتحدث يوميًا كأمور طبيعية متسقة مع العديد من العادات والتقاليد المجتمعية الموجودة في هذه الدول ، والتي لا تصلح بالطبع للتطبيق في مجتمعاتنا العربية ، والعكس صحيح أيضًا ، ومن ثم لا وجه إطلاقاً لطرح هذا النموذج للاقتداء به في تلك المسائل ،لذا علينا أن نسمي الأسماء بمسمياتها الطبيعية دون خلط بين مفهوم "الروح الرياضية والخلق القويم" وبين مفهوم "التعصب والانتماء المزيف" الذي ينتهي بالتشيّع كما في قول تعالي " جعل أهلها شيعاً" أي فئات ضعيفة متشرذمة .

لقد تبدو الفكرة بسيطة في مجملها ولكنها تحمل في طياتها ظواهر سلبية متعددة يعاني منها المجتمع المصري كظواهر فساد الإعلام الرياضي وتلوّثه بغير المختصين من الدارسين أو المهنيين ممن تم تعيينهم بوسائل الإعلام عن طريق الواسطة ، وكذلك ظاهرة غياب الرقابة الإعلامية علي المضمون المقدم ، وتعد واقعة المشاجرة الأخيرة بين أحمد شوبير و أحمد الطيب – أثناء حضورهم كضيوف برنامج العاشرة مساءً- خير دليل علي ذلك ، ومن قبلها فضائح الإعلام الرياضي المصري في وقائع مباراة مصر والجزائر ، ومذبحة استاد بورسعيد وما سبقها من إثارة للفتن والتعصب بين جمهور ناديي الأهلي والمصري ، فضلاً عن السقطات الأخلاقية لهؤلاء المرتزقة في برامجهم من عينة شوبير ، وخالد الغندور، ومدحت شلبي ، وأحمد

عفيفي ، والأخير يقدم برنامجًا ساخرًا علي الإنترنت يحمل من الإيحاءات الجنسية والألفاظ المبتذلة ما يرتقي به لمرتبة "الدعارة الإعلامية" ، وهو جرس إنذار آخر لابد من الإشارة إليه وهو غياب الرقابة الإعلامية علي المضمون الإعلامي الإلكتروني .

لقد قدم جهاز حماية المستهلك المصري مبادرةً رائعةً بالتصدي للإعلانات التليفزيونية المبتذلة لشركات ( جهينة، دايس، قطونيل، بيريل) لما تحمله من ألفاظ مبتذلة وإيحاءات جنسية صريحة ،ودعوة ضمنية علي الفجور والترويج لمعاني غير أخلاقية ، وخيرًا فعل "الجهاز" بوقف هذه الإعلانات ، ولكن من المسؤول عن وقف مسلسل الإعلام الرياضي الهابط الذي يشكل أعلى معدلات تعرض ومشاهدة في مصر ؟ والإجابة بسيطة وهي تفعيل القانون على رقاب الجميع كما فعل جهاز حماية المستهلك الذي لم يخترع مسؤولوه العجلة ، بل أصدروا قراراً ملزماً مباشراً في إطار نصوص ومواد القانون ..فالحل إذن هو القانون.
بواسطة : محمود فوزي
 0  0  4.3K

جديد المقالات

خرجت الجماهير الغاضبة العام المنصرم ۔ تندد بارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وفشل السياسات...

محمد سعد عبد اللطیف

ليس التفريق بين ما هو إعلام نزيه، و ما هو بروباغندا دعائية رخيصة بالأمر الهيّن، بل إن التفرقة...

لارا أحمد

كانت خطوة شجاعة تلك التي أقدم عليها المعلق الرياضي السابق نبيل نقشبندي وهو يعتذر أو يستقيل من...

سلطان السيف
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 18:16 الجمعة 6 ديسمبر 2019.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

صحيفة تصدر عن مؤسسة دال للنشر الإلكتروني ... جميع التعليقات و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي الصحيفة بل تعبر عن رأي كاتبها . ( صحيفة مرخصة )