• ×
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 | 09-21-2020
محمد فهد الجفن

كتبت هذا عندما سقطت أولى شعرات رأسه ..




بدأت القصَّة بخروج حبة صغيرة جداً في لسانه والتي لم يرعها اهتماماً ظناً منه أنها بسبب تقرحات المعدة التي يعاني منها منذ زمن طويل .. برغم أنَّ جميع العائلة والمقربين ينصحونه دائماً بالذهاب للمستشفى لإعطائه دواءً يزيلها لما يرونه أمامهم من معاناته الشديدة من الألم عند تناوله وجبة طعام .. إلا أنَّه لم يبالِ بكل النصائح ضارباَ بها عرض الحائط لقناعته التامة بما كان يظن ..


كبرت هذه الحبة شيئاً فشيئاً .. مما أجبرته على الإمتناع عن الأكل تماماً ..

أصبح الأمر مخيفاً ..

قررنا الذهاب للمستشفى .. قاموا مباشرة بأخذ عينة من هذا الجرح وزراعتها .. وبعد انتظار أيامٍ لمعرفة نتائج فحوصات هذه الزراعة .. حقيقة كانت لحظات فاصلة عشناها في حياتنا .. خرجت هذه النتائج .. هذه النتائج عرفناها من لغة عيون الأطباء .. سمعنا خبراً غير سار.. خبرٌ نزل عليه وعلينا كالصاعقة .. إنه المرض الخطير ( Cancer ) .. شعرنا بعده بانهيار نفسي جعل أعيننا لا تجف من الدموع .. فكنا نسمع عن هذا المرض .. واليوم هو يداهمنا في عقر دارنا .. إنه القدَرَ ..

لا يدفع المرء ما يأتي به القدر ..
و في الخطوب إذا فكرت معتبر
فليس ينجي من الأقدار إن نزلت ..
رأي وحزم ولا خوف ولا حذر
فاستعمل الصبر في كل الأمور ولا ..
تجزع لشيء فعقبى صبرك الظفر


على الفور ذهبنا بتقاريره إلى إحدى المستشفيات العريقة والذي يعنى بمثل هذه الحالات مما أكدوا لنا صحة هذه النتائج وقرروا إجراء عملية استئصاليَّة لهذا الورم ..

حصلنا منهم على مجموعة من التقارير الطبية والتحاليل المخبريَّة والإشعات المقطعيَّة والنوويَّة ومن ثمَّ قررنا الذهاب به إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة وعلاجه في أحد المستشفيات المتخصِّصة بالأورام السرطانيَّة في ولاية تكساس مدينة هيوستن تحديداً ..

فرافقته في رحلته أنا وأخي الذي يصغرني سناً ..

وبينما كنت أمشي في ردهات المستشفى جيئة وذهابا .. بخطى أنظر فيها إلى وجوه المارة والعابرين .. كلهم يحمل هذا المرض بتفاصيل مختلفة .. يا الله .. فمنهم من سقط شعر رأسه ومنهم من كانت أحد عيناه مغطاة بلفائف طبية ومنهم من هو راكب على عربة متحركة .. ومنهم من هو على سريره .. الخ ، أشكال ومناظر لا يصدق بها إلا من يراها عياناً .. وأنا في تلك اللحظة كأنني أبحث عن شيء ضائع بغير قصد .. محلقاً في فراغ مظلم راجياً فيه نزول رحمات ربي على والدي ..

الغريب في الموضوع أن جميع هؤلاء المرضى الذين شاهدتهم وتنوعت أحوالهم كباراً وصغاراً ارتسمت على وجوههِم نظرات التفاؤل والأمل المشرق بالشّفاء العاجل وعودة عجلة الحياة إلى حركتها من جديد ..

صعبٌ على مرافق المريض أن يتقبل مرض أحد أقاربه ويراه يومياً يقاسي الآلام والأوجاع .. والدي منذ إصابته بالمرض أصبح قليل النوم بالليل بسبب ما يشعر به من آلام وهموم جعلت تفكيره يدخله في سراديب مظلمة .. مما جعلنا مضطرين بمحاولة برمجة يومياتنا وفقا لحالته ومزاجه الذي لم يكن سهلا عليه أن يتقبل مرضه ..

انصرَفَ الى الله يدعوه ويناجيه لمواجهة هذا الإنهيار ، مؤمناً كل الإيمان بأن الشفاء شفاؤه .. وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه.. حيث أنه كما قرأت أنه أصبح من المؤكد والثابت علمياً أن الحالة النفسية لمريض السرطان من أهم مقومات شفائه ونجاح علاجه بعد الله ، وأن إرادة الشفاء بداخله هي العامل الأساسي الذي يحفز الجهاز المناعي بداخله لكي يتصدى ويقضي على هذا المرض الخطير ، فإحساس هذا المريض بالهزيمة واليأس من شفائه يؤثر بالسلب على الجهاز العصبي المركزي ..

نحاول جاهدين أن نسيطر على شرود ذهنه وقلة كلامه .. بدأنا نجوب وإياه أماكن التسوُّق والمتنزهات ونلتقط وإياه الصور بابتسامات متفائلة تحمل في طياتها أملاً كبيراً بأن الله لن يخيب ظن أناسٍ رفعوا أكف الضراعة ليلاً ونهاراً يرجونه بأن يكشف الله ضره وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية وأن يرجعه إلى وطنه وأهله ومحبيه سالماً معافى ..

انهالت علينا الاتصالات والرسائل النصية والصوتية من أهل ومقربين وأصدقاء وأناس محبين لا نعرفهم .. كلهم يشاركوننا ذلك الموقف .. ويساندوننا في المرض الذي داهم والدي على حين غرّة .. جعلتنا نشعر بوشائج الحب والحنان والتعاطف الإنساني من قبل أولئك الرائعين ..

وبعد إجراء الفحوصات الطبية ومقابلة الأطباء ، قرر الفريق الطبي الخطة العلاجيَّة التي سيبدؤون بها سريعاً .. وأرغمونا بأن نكون مطيعين لما تم رسمه من قِبَلِهِم ، وأن نكون على أتم الاستعداد للتأهب لخوض معركة من نوع مختلف مع عدوٍ شرس .. سيكون فيها الله رابعنا .. وبعد عدة مفاوضات مع هذا المرض على انسحابه من المعركة كان الرفض عنوانه الدائم ..

الورم يكبر والألم يزيد ..

كان قرار الأطباء أنهم سيبدؤون بإعطائه جرعات الكيماوي (Chemotherapy) كخطوة أولى في اخطة العلاجية .. تم تحديد موعد تناوله الجرعة الذي كان من ضمن الخطة العلاجيَّة .. إلا أن نزول وزنه السريع بسبب عدم استطاعته تناول أي وجبة غذائية سائلة عن طريق الفم جعل الأطباء يرغمونه بإجراء عملية سابقة للجرعة والتي هي عبارة عن فتح أنبوب غذائي في المعدة يتم من خلاله تعويض جسمه بالسوائل الغذائيَّة المفقودة ، خاصة مع جرعات الكيماوي الذي هو بحاجة إلى بنية غذائيَّة قويَّة لتعزيز المناعة التي سيفقدها الجسم ابتداءً من الجرعة الأولى ..

بعد ذلك جلس معنا الأطباء وشرحوا لنا الجوانب السلبية التي قد تنجم عند تناول هذه الجرعات .. وبعد استخارتنا توكلنا على الله وتناول والدي الجرعة الأولى ..
أسأل الله له الشفاء العاجل ..

كتبت هذا عندما سقطت أولى شعرات رأسه ..




محمد بن فهد الجفن
الولايات المتحدة الأمريكيَّة
ولاية تكساس مدينة هيوستن

 2  0  15.8K

جديد المقالات

خرجت الجماهير الغاضبة العام المنصرم ۔ تندد بارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وفشل السياسات...

محمد سعد عبد اللطیف

ليس التفريق بين ما هو إعلام نزيه، و ما هو بروباغندا دعائية رخيصة بالأمر الهيّن، بل إن التفرقة...

لارا أحمد

كانت خطوة شجاعة تلك التي أقدم عليها المعلق الرياضي السابق نبيل نقشبندي وهو يعتذر أو يستقيل من...

سلطان السيف

اخترنا لك

السجن 12 عام لطبيب أسنان خلع سن مريض على هوفر بورد

السجن 12 عام لطبيب أسنان خلع سن مريض على هوفر بورد

حُكم على طبيب أسنان بولاية ألاسكا الأمريكية ، تم تصويره وهو يخلع أحد أسنان المريض أثناء وقوفه على لوح طائر ، بالسجن لمدة 12 عامًا ، وفقًا لبيان صادر عن قسم القانون في ألاسكا. حيث أدين سيث لوكهارت ..

09-19-2020 | 0 | 3.1K
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 16:37 الثلاثاء 22 سبتمبر 2020.
Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

صحيفة تصدر عن مؤسسة دال للنشر الإلكتروني ... جميع التعليقات و الردود المطروحة لا تعبر عن رأي الصحيفة بل تعبر عن رأي كاتبها . ( صحيفة مرخصة )